فخر الدين الرازي
138
المطالب العالية من العلم الإلهي
واحد منهما علة للآخر ، لكان كل واحد منهما علة للآخر ، فيصير هذا إلزاما للشيء على نفسه ، وهو فاسد . وأيضا : فلأن القول بكون كل واحد منهما علة للآخر ، إن كان معلوم الامتناع بالبديهة . فحينئذ لا حاجة إلى ذكر هذا الدليل ، وإن كان محتاجا إلى الإثبات [ بالحجة ] « 1 » والبينة لم يكن الكلام الذي ذكروه مفيدا فائدة ، لأنه لم يحصل فيه إلا تبديل اللفظ باللفظ ، ومعلوم أنه لا يسمن ولا يغني من جوع . الحجة الثانية على فساد الدور : قالوا « 2 » : « لو كان كل واحد منهما علة للآخر ، لكان كل واحد منهما علة لعلة نفسه ، وعلة العلة علة ، فيلزم كون كل واحد منهما علة لنفسه ، وذلك محال » ولقائل أن يقول : مدار هذه الحجة على قولهم : « إن علة علة الشيء علة لذلك الشيء » [ وهذا كلام مبهم يجب البحث عنه . فيقال : إن أردتم بقولكم : « علة علة الشيء ، يجب كونها علة لذلك الشيء ] « 3 » ويجب كونها مؤثرة في ذلك الشيء ، وموجدة له » فهذا باطل قطعا ، لأن على هذا التقدير تكون علة العلة علة قريبة للشيء ، وكونها علة قريبة « 4 » لذلك الشيء [ يمنع من كونها علة للعلة ، فقولكم : علة علة الشيء يجب كونها علة قريبة لذلك الشيء ] « 5 » كلام متناقض ، وإن أردتم به أنها علة لعلة الشيء ، فهذا مسلم ، إلا أنه يرجع حاصل الكلام فيه ، إلى أن علة علة الشيء يجب كونها علة لعلة ذلك الشيء ، ومعلوم أن هذا الكلام عبث ولا فائدة فيه . الحجة الثانية : وهي الأقوى ، أن يقال : لو كان كل واحد منهما علة للآخر ، لكان كل واحد منهما مفتقرا إلى الآخر ، والمفتقر إلى المفتقر إلى
--> ( 1 ) إنه ( س ) . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) مرتبة ( س ) . ( 5 ) من ( ز ) .